المتابعون

الخميس، 22 نوفمبر 2012

فادية .. وكفى

بنت زي كل البنات بأحلامها البسيطة وخبراتها اللي في الحياة اللي ممكن تكون خبرات فلاحة ومتعلمة ومتدينة ومديرة بيت كبير أبوها كان بيثق فيها في إدارته أكثر من ثقته حتى في زوجته شريكة حياته لأنه تزوجها صغيرة وأخذها دون أي خبرة لها بأي شيء في الحياة. أول مرة لفادية شفتها كانت بلبس البيت العادي بتاع الفلاحة الشقيانة الناصحة الشاطرة بتاعة البيت المصري الجميل. وشها أحمر ملتهب بحمرة الخجل ولون نار الفرن اللي ما بتبطلش تشعله وتخبز عجينها وطحينها عليه. وش مدور زي البدر ليلة التمام. تقترب كثيرًا من إخواتها الباقيين في الجمال الطبيعي الهادي غير الصارخ اللي فيه لون العيون السودة أحلى من أحلى أجنبية لون بياضها ولون عيونها بيخطف الجميع يحسدها عليه. لأن لون سمار فادية المشرب بحمرة خجلها وحمرة لهيب الفرن كان أحلى كتير من ألوان حتى جمال إخواتها.
فادية كانت وتد قوي في بيت أمها وأبوها. وف نفس الوقت كانت شاطرة في التعليم ودا مش غريب عليها لما تعرف إن أبوها كان هيصبح مهندس بترول لولا ظروفه جنت عليه زي ناس كتيرة قوي في حياتنا وأصبح هو الفلاح البسيط اللي كل ميراثه من الدنيا أرضه وبناته اللي ممكن ناس تعيبه عليهم لأنه كان بإمكانه يبقى مهندس البترول اللي اتعلم وخد شهاداته كلها ونزل بيها البندر وعاش عيشة الملوك.
يمكن أبوها لم يكمل مشواره واتجوز وخلفها وخلف بناته التانيين بس فادية فضلت هي أكبر ثروة له في البيت بشطارتها وبإنها عارفة كل صغيرة وكبيرة في البيت وقادرة تدبر الحياة كلها بحكمة ومش بس بيتهم.. لأ البيت الكبير كله بتاع العائلة.
فادية زي بنات كتير في سنها اتنظرت من الجميع. خصوصًا لما تعرف إنها أشطر بنات العائلة المليانة بنات على كل شكل ولون. ويمكن كان دا سبب كفاية تتحسد وتجيب مجموع سيء في الثانوية العامة. وبعد ما كان أبوها متوقع إنها تبقى حاجة كبيرة برضو برة البيت في مجال تعليمها، تطلع بخيبة أمل يعايرها بيها الجميع حتى لو كانت خيبة أملهم في ولادهم أكبر كتير من خيبة أمل بنت شايلة البيوت كلها على كتافها.
تشاء الظروف إن فادية تدخل كلية التربية الرياضية وتبقى مدرسة بعد ما قدمت هي وكل بنات جيلها في البلد في وزارة التربية والتعليم علشان تتعين. فادية قررت تسيب البلد وتنقل حياتها اللي الناس بتسخر منها وبتسخر من أهلها عليها. خصوصًا الخالات والأخوال اللي بيحتقروا كونهم فلاحين غير متمدنين بيربوا المواشي والغنم وبيحلبوا الأبقار وبيخبزوا في الفرن وبيصنعوا الجبنة والزبدة والمِش بإيديهم.
فادية اتنقلت نقلة تانية لما فكرت تنزل عند جدتها في المدينة وتستقر هناك كمدرسة تربية رياضية. خلعت طرحة راسها ولبست بدل محترمة أيوة ومنتهى الشياكة أيوة وغالية أيوة بس على الله تعجب المحيطين بيها ويتعرفوا صح عليها ويبطلوا ينعتوها بالجهل والحقارة اللي بينعتوا بيها كل الفلاحين.
فادية بقى كان عليها رصة محشي في الحلة تفتح نِفس الناس ع الأكل. كانت منبهرة بيها جدتها لدرجة كبيرة قوي. شوفوا فادية عملت كذا.. شوفوا فادية اللي مسوية كذا..
وغيرة أبناء الست الكبيرة عصرتهم عصر من فادية. اتنصبت الجلسات وفادية كانت في عملها وبدأ الجميع ياكل في لحمها ميتًا. وأصبحت فادية مسار سخريتهم كلهم. الغيرة والنار اللي ف قلوبهم جعلت الغني فيهم يبص لمرتب فادية اللي هو مش أكتر من 150 جنيه.
في كل جلسة اللي بيقسم لها الراتب ويضحك وهو بيقول عنها: بتاخد 150 جنيه وعاملة أبونيه الأتوبيس وبتركب ببلاش وبتصرف في الشهر 50 جنيه وبتحوش ال100 وتروح عندها في الفلاحين تشتري الصيغة الدهب والغنم والبقر من نصاحتها.. لأ وإيه بتفكر في معاشها هيكون كم لما تخرج عند سن الستين من دلوقت. أيوة وكمان على ما تخرج معاش تكون بقت مليونيرة ومعاها اللي مستفاه كله على قلبها وآهي بطولها لا معاها عيل ولا تيل تصرف عليه.
وهكذا كل ليلة تنعقد الجلسة اللي تأثرت بها الخالات وحبشتها ببعض الكلام السيء اللي في حقها عن لبسها وعن طريقة ردها عليهم وعن معاملتها الوحشة رغم إن ممكن المواقف اللي متشبعة بغل الخالات تكون هي السبب في تصرفات فادية معاهم.
حتى الجدة تبدل حبها لفادية بعد ما كانت بتضرب بيها المثل كأشطر بنت قابلتها في حياتها. أنا نفسي من جلسات النميمة ضد فادية كنت بسخر منها معاهم وبتشفى فيها لما تغلط قدامنا.
تمر الأيام وفادية ترجع من بلدها بقيء مستمر وتقلبات في المعدة وتروح تكشف في المستشفى تلاقي إنها مرضت بالسرطان. السرطان يا فادية؟!
تعمل عمليات وتاخد جلسات والجلسات إياها ما بتبطلش حديث عن فادية. السخرية لا تتوقف والرحمة للمريضة لا تدب في قلوبهم وتسوء حالتها ولمدة ست سنين كاملة بتتعالج فيها بكل أنواع العلاج وتصبح فادية مومياء متحركة والشعر اللي كانت البنات في المدرسة بتسألها عنه إن كان باروكة يا ميس ولا شعر حقيقي لأنه كان مقترب من رجلها تساقط وأصبحت فادية جثة هامدة متحركة في بيت الجدة وأمام الخالات التي لم تهدأ أصواتهن عن الحديث عنها بنفس الكلام السيء وأكتر.
كل بنات البلد في سن فادية اتجوزوا وخلفوا وحتى إخواتها البنات اتجوزوا وخلفوا وفادية نفسها زي ما بتشوف ولادهم رايحين الحضانة والمدرسة تشوف ولو طفل صغير يقول لها يا ماما زي أحلام البنات البسيطة خالص اللي ما بتطمعش فيها بأكتر من زوج وفي وطفل جميل يملوا عليها حياتها الصغيرة.
فادية عاشت ست سنين تصارع المرض وتصارع كلام الناس اللي من وراها بيزيد أحقادهم ضدها وتصارع سنها اللي بيكبر وفاتها القطر وتصارع نظرات أمها والمقربين لها إنها عنست وممكن تكون بتحقد على إخواتها البنات على زيجاتهم وخلفهم. حتى لو كانت فادية أحن ما يكون على إخواتها وساعدتهم في جهازهم وبيحبوها ولادهم اللي بتجيب لهم حاجات تسعدهم بمبالغ بسيطة أو كبيرة مش فارقة لأنها بتحس فيهم بولادها بإحساس إن الخالة والدة.
فادية ماتت. وقبل وفاتها كانت جدتها مرضت بنفس مرضها وبتتعالج منه. الجدة ما اتحملتش المرض وماتت لما وصل لحد الرئتين. وفادية اللي كانت وصلت بيها الحالة من كتر تعاطي جرعات العلاج والتفكير في اضطرابات نفسية أدت بيها إنها كانت عند جدتها وصحيت من نومها تقرأ قرآن وفجأة فضلت تردد: لا إله إلا الله محمد رسول الله لا إله إلا الله محمد رسول الله.. لغاية لما صحيت من نومي مفزوعة لما صوتها بقى عال قوي ولقيتها هترمي روحها من الشباك ومنعتها بقوة أنا ووالدتها اللي كانت جاية معاها وهي بتاخد العلاج. حتى الجدة لما صحيت وكان غريب عليها الوضع افتكرتها في حالة طبيعية وقعدت تصرخ فيها تتوقف عن اللي بتعمله لكن فادية اللي بقت حالتها النفسية سيئة جدًا ردت على الجدة وعلى الأم بقوة شديدة وعنف يتحاسب عليه الشخص العاقل بشكل سيء لكن لو حد حط في باله كل تاريخ فادية المرضي ما كانش هيقول عنها كدة.
فادية أصبحت خطر على الجدة وقرر الخال يطردها من البيت هي وأمها بالليل أو بالنهار المهم ما تقعدش بحالتها المضطربة دي في البيت وممكن ترتكب جريمة وترمي نفسها من الشباك أو تقتل حد أثناء نوم الجميع.
مرضت الجدة بنفس المرض وكنت أول من اكتشفه عندها وبعد علاجها منه عاشت فترة بسيطة تعاني لأن المرض كان تمكن منها ووصل لرئتيها وماتت.
فادية ما عرفتش بوفاة جدتها غير بعدها بفترة لما تعافت من مرضها واضطراباتها النفسية بعد رحلة علاج دامت 6 سنين وعليهم كم سنة تانيين.
ماتت فادية بعد الجدة بفترة بسيطة بعد ما كانت شعرت بمأساة الجدة اللي ماتت قبلها.
انكسر وتد البيت القوي لما دخلت بيت الخالة بعد وفاة فادية..
ولأني شعرت إني كنت شريكة في جريمة حقيرة لقتل كل جميل عن فادية قررت بعد وفاتها إني أتصدق على روحها ببعض المال اللي اشترت به إحدى الصديقات مياه معدنية وزعتها على الناس العطشانة في الطرقات أثناء موجات الحر الشديدة زي ما أوحى ليّ ربنا إني أوصي الصديقة.
هي دي فادية النقية اللي ظلمها كلام الخالة والخال والعمة والعم والناس وكانوا أحد أكبر أسباب مرضها وضعفها وهي بتقاوم شدتها لوحدها.
مطلوب أكون زي فادية وأحل محلها في لفت أنظار المحيطين على المستوى الأسري علشان تتكرر مأساتها ويا رب يشعروا بالندم بشكل أقوى من ندمي لانسياقي ورا كلامهم والأكل من لحمها ميتًا.
في كل مرة أفتكر فادية أتمنى إن نفس الكاس اللي تجرعت منه أمها تتجرع منه أقرب الناس ليّ وهي بتمارس عليَّ الشيء اللي الجميع مارسه على فادية.
فادية ماتت في سن 32 سنة.
فادية في الجنة إن شاء الله هيكون عمرها 33 سنة.
فادية ستتزوج بأجمل أزواج الجنة بإذن الله، وستكون لها بنات وبنين أجمل من أطفال سوريا المتوفين وأجمل من أطفال كل البنات اللي شافتهم عينيها وهي حية وشافتهم عينينا إحنا كمان. أنا وعدتها بكدة وربنا وعدها هي وبنات كتير بكدة كمان ممكن أكون أنا بين البنات اللي وعدها ربنا معاها لأني كنت بقول لها الكلام دا بيقين كبير في اللي قاله لنا ربنا.
فاضل سنة واحدة وأكمل 32 سنة زيها وانا بتمنى ربنا يغفر لي أي إساءة في حق فادية حتى لو أدفع تمن إساءة غيري منهم كلهم اللي قاطعتهم بسبب نفس طريقتهم معاها. الله يسامحهم قبل ما يفوت الأوان ويضمهم نفس التراب اللي ضم فادية وتيتة كمان. ويفوقوا إن الناس كلها زي بعض وما فيش حد أحسن من حد علشان مال أو جاه أو مكانة اجتماعية.
ربنا يرحم فادية ويرحمنا من هذا العالم البغيض.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أشكر لك المتابعة والتفاعل بالتعليق