المتابعون

السبت، 27 أغسطس 2011

حالة وفاء

كنتُ توًّا قد شرعتُ في الكتابةِ عن أجمل فترات طفولتي، فقاطعني رنينُ الهاتف. وددتُ لو أقول لها أنني أكتبُ عنها وعن أخواتها وعن الأيام الجميلة التي أمضيتها في بيت عمتي عائشة. عمتي عائشة!! ماذا؟!! لقد أخبرتني بعد أن حاولتُ أن أتجاهل نبرة الحزن في صوتها لأسألها عنها، أنها ... ماتت.

لا أدري الآن هل أتحدثُ عنها كما كنتُ سأفعل قبل المكالمة أم أُعزي نفسي لوفاةِ شخصٍ آخر واختفائه من حياتي التي ربَّتَ فيها بوجوده على كتفي ليُعيد إليَّ الأمل أن الطيبة والبركة والزمن الجميل مازالوا يعيشون بيننا. تمالكتُ نفسي بعد أن حل بي الخبرُ كالكارثة، وحاولتُ أن أنشغلَ في أمرٍ منزلي لألهي نفسي فيه. وأخذتُ أتذكر أيام كنتُ طفلة في السنوات الأولى لعمري وكانت خالاتي لم يتزوجن بعد، وكن يفرحن حينما يأخذنني معهن إلى العمل، فقد كنتُ الحفيدة الأولى ومتعة التسلية بين أفراد بيت العائلة الكبيرة بمنزلنا. وعندما كبرت قليلًا وتزوجت خالتي أخذتني معها لأمضي وقتًا قبل أن يأتيا توأمها إلى الحياة لألعب بهما كالدمى الصغيرة التي كانت عمتي تهاديني بها عندما تعود من الإمارات محملة بالهدايا والفساتين الجميلة والدمى.

عمتي فادية هي الأخرى كانت تأخذني لديها لأمضي معها أيامًا وكنا نذهب عند أقارب زوجها. وفي زيارةٍ لعمتي عائشة أصرت أن أقضي مع ابنتيها أيامًا بالبيت، وكانت المتعة...

كانت عمتي عائشة ابنة عمة أبي التي كانت تسكنُ بجوارنا في منزلٍ بالدرب الأحمر بجوار السوق، وكنتُ أذهب عندها كلما أرسلتني جدتي لأشتري شيئًا بسيطًا من السوق، وأرسل إليها تحيات جدتي فلا تتوقف عن تقبيلي وتحدث كل الجيران لديها بالشقة كم أُشبه جدتي أم أبي "فوزية". أنفلتُ منها ومن جاراتها اللاتي كانوا يكادون يلتهموني من التقبيل لأعود للمنزل وأحمل للجدة تحيات وسلامات عمة أبي "تيتة كريمة".

عمتي عائشة تسكنُ بحي المعادي حيثُ يسكن بقية إخوتها من الذكور. وفي آخر أيام "تيتة كريمة" كانت عمتي عائشة قد أصرت على اصطحابها إلى منزلها الكبير هناك لتترك الدرب الأحمر وتقضي باقي سنوات العمر تحت رعاية ابنتها. كنتُ ألعب مع شيماء وأسماء فإحداهما تكبرني بعام والأخرى تصغرني بآخر. كان جُلُّ متعتنا عندما ترسلنا عمتي عائشة إلى السوق لنشتري الدقيق لتصنع لنا مع أمها "الرقاق" الذي نأخذه ساخنًا ونتقاسمه فيما بيننا. كان السوق بعيدًا عنهم بمسافةٍ طويلة، ونظرًا لأن شيماء وأسماء هما البنتان الصغيرتان اللتان يكبرهما أخوان اثنان من الذكور، فقد توارثا دراجة صغيرة كانت أول دراجة أتعلمُ عليها كيفية ركوب الدراجة دون مساند. كانت شيماء تركب الدراجة وكنا نحن نعدو وراءها، ومرة تركبُ أسماء وأعدو أنا وشيماء معًا، ثم قررا أن يعلماني كيف أركبها ليتبعاني. كم غمرتني الفرحة عندما كنتُ أشعرُ أنني أطيرُ بها وهما يتبعاني في الخلف!!

أما شيماءُ فتشتركُ معي في هواية الرسم، كانت تجلسُ معي بالشرفة لتعلمني كيف أرسمُ وجهًا لفتاة وكيف أصنع لها ضفائر أو فيونكات، وكيف أصمم لها زيًّا مناسبًا. وتمرُ الأيامُ فتلتحق شيماء بكلية التربية الفنية بالزمالك.

يااااااه كم مرت تلك السنوات سريعًا!! ويالها من حسرةٍ عندما أفقد أحبائي وأحباء أحبائي إلى قلبي!!! رحم الله الأيام الجميلة، ورحم الله مَن فقدتُ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أشكر لك المتابعة والتفاعل بالتعليق