المتابعون

الخميس، 25 أغسطس 2011

أستاذ سعد

كان مديري في العمل. هو رجلٌ جميلٌ طيب، تأنس بصحبته، وتقتنع بكلامه. دومًا كان يصفني بـ جمال عبد الناصر. عندما اندلعت أحداث الثورة قالها لي: كنتُ على يقين من كلامك أنها ستحدث. كنا نتحدث عن كل ما يدور من حولنا: مشكلات الشباب، العادات والتقاليد، الأسعار وأحيانًا كان يفيضُ عليَّ مما تعلم؛ فقد قضى أغلب عمره يعمل مترجمًا بالسعودية في أحد المستشفيات. كان يشرحُ لي حتى كيف يعطس الإنسان، وكيف يأتي الترشيح من أنفه، وكيف تنشأ المياه البيضاء على عين الإنسان.... ياااااااه كم تحدثنا معًا في أشياء نافعة! قضينا أوقاتًا نتكلم ونتكلم. كنتُ أثناء العمل أستأذن في الخروج لشراء غداء، ولم أكن أدرك أنه يتابعني. ذات مرة خرجتُ بإذن منه ووقفتُ لأبتاع بعض الموز، فإذا به يتابعني من بعيد. وعندما عدتُ سألني ماذا كنتُ أفعل، فأجبته بأنني كنتُ أشتري الموز. وتمر الأيام وإذا بهِ يتحدثُ عن موقفي في شراء الموز في غيابي، وعندما أهم بالدخول أجده ينهي حديثه بهذا الموقف، وأندهشُ أنه كان متابعًا بكل هذا الاهتمام لما حدث من موقفٍ بسيطٍ ليترجمه بفلسفة عقلانية شديدة انبهرتُ لها، فما كنتُ أستشعر لموقفٍ بسيطٍ كهذا ما قدره هو بسنوات الخبرة من قيمٍ لم أكن أضعها في الحُسبان، بل كنتُ أقوم بالموقف
بمنتهى البساطة.
كان أحيانًا يحدثني عن ابنته، عن خوفه وقلقه عليها. كنتُ أشعرُ ومازلتُ أنه أبٌ حنونٌ يعوضُ ساعات يفتقدها في الحديث مع ابنته في حديثه معي. كان يؤلمني كثيرًا ما أسمعه من أخبارٍ عن مرضه. يفاجئني من وقتٍ لآخر بمكالمة يطمئن بها عليَّ، وأطير فرحًا بها. أتمنى أن يمد الله في عمره ما طال عمري، كي لا أتألم لفقدانه كما افتقدتُ آخرين.

هناك تعليق واحد:

أشكر لك المتابعة والتفاعل بالتعليق